مليونية ردفان.. تجديد العهد مع الإرادة الجنوبية
لم تكن مليونية ردفان حدثًا عابرًا أو حشدًا مؤقتًا فرضته ظروف لحظية، بل جاءت كتعبير صادق عن مسار طويل من النضال الجنوبي، مسارٍ تشكّل من إرادة شعبية حقيقية امتدت جذورها إلى عام 2007، حين انطلق الحراك الجنوبي السلمي مطالبًا بالحقوق والهوية والكرامة. ومنذ ذلك التاريخ، ظل الشارع الجنوبي حاضرًا، يتقدم الصفوف، ويؤكد في كل محطة أن قضيته ليست طارئة ولا مستوردة، بل نابعة من وجدان الناس ومعاناتهم وتطلعاتهم.
مليونية ردفان حملت رسالة واضحة لا تقبل التأويل: حق الجنوب في تقرير مصيره حق مشروع، لا يسقط بالتجاهل، ولا يُلغى بالقمع، ولا يمكن طمسه بمحاولات الالتفاف أو التسويف. خروج الجماهير بهذا الزخم، وفي هذا التوقيت، يؤكد أن القضية الجنوبية لا تزال حية في وعي الشارع، وأنها تمثل أولوية وطنية جامعة تتقدم على كل الخلافات الثانوية.
ولم يكن اختيار ردفان ساحة لهذا الحشد المليوني أمرًا عفويًا، فهذه الأرض التي عُرفت عبر التاريخ بأنها موطن الشجعان ومستودع الأبطال، كانت ولا تزال رمزًا للرفض والمقاومة. من ردفان انطلقت شرارة الثورة الأولى، ومنها يتجدد اليوم مشهد الاصطفاف الشعبي، وكأن التاريخ يعيد تأكيد مكانة هذه الجغرافيا في الوجدان الجنوبي، باعتبارها عنوانًا للتضحية والثبات على الموقف.
إن الوقفة المليونية في ردفان عكست بوضوح حالة اصطفاف وطني جنوبي واحد، حيث توحد الصوت، وتلاقت المواقف، وبرزت صورة الجنوب كرجلٍ واحد يقف خلف قضية واحدة. هذا المشهد لم يكن نتاج توجيه عابر أو تعبئة ظرفية، بل نتيجة تراكم نضالي طويل، صقلته التجارب ورسخته التضحيات.
كما كشفت مليونية ردفان زيف الادعاءات التي تحاول تصوير الحراك الجنوبي على أنه صناعة خارجية أو رد فعل مؤقت، إذ أثبتت الجماهير أن قرارها مستقل، وأن بوصلتها تنطلق من الداخل، من معاناة الناس وإرادتهم الحرة في رسم مستقبلهم السياسي.
في المحصلة، جاءت مليونية ردفان لتجدد العهد مع القضية الجنوبية، ولتؤكد أن الجنوب حاضر بشعبه وإرادته، وأن مسار النضال مستمر حتى تحقيق تطلعاته المشروعة. إنها رسالة سياسية وشعبية مفادها أن القضايا العادلة لا تموت، وأن إرادة الشعوب لا يمكن كسرها، مهما طال الزمن أو تعددت محاولات الإقصاء.
0 Comments: