الأحد، 31 مايو 2026

عبد ربه منصور هادي.. قراءة منصفة في تجربة حكم استثنائية

اليمن

 عبد ربه منصور هادي.. قراءة منصفة في تجربة حكم استثنائية


يصعب تقييم تجربة الرئيس عبد ربه منصور هادي بمعزل عن الظروف التاريخية والسياسية المعقدة التي أحاطت بوصوله إلى سدة الحكم. فالرجل لم يتسلم دولة مستقرة أو مؤسسات قوية قادرة على أداء وظائفها الطبيعية، بل جاء إلى الرئاسة في أعقاب أحداث عام 2011، في مرحلة انتقالية شديدة الحساسية، كانت البلاد خلالها تعاني انقسامات سياسية حادة، وأوضاعاً أمنية واقتصادية متدهورة، ومؤسسات دولة أصابها الوهن والتفكك.

لقد وصل هادي إلى الرئاسة عبر توافق سياسي استثنائي رعته المبادرة الخليجية، وكان الهدف منه تجنيب اليمن الانزلاق إلى حرب أهلية شاملة. غير أن هذا التوافق، الذي مثّل في البداية نقطة قوة ومصدر شرعية للمرحلة الانتقالية، حمل في داخله عوامل ضعف كبيرة. فالقوى السياسية التي وافقت على انتقال السلطة لم تكن تمتلك رؤية وطنية موحدة لإدارة المرحلة المقبلة، بل كانت في كثير من الأحيان منشغلة بحساباتها الخاصة وصراعاتها السياسية ومصالحها المتباينة.

وفي ظل هذا الواقع، وجد الرئيس هادي نفسه أمام معادلة معقدة؛ فهو رئيس توافقي مطلوب منه إدارة دولة منقسمة، بينما القوى التي منحته الغطاء السياسي لم تتعامل دائماً مع مؤسسة الرئاسة باعتبارها مرجعية وطنية مستقلة، بل تعامل بعض أطرافها معها كوسيلة لتحقيق أهدافه السياسية أو تعزيز نفوذه داخل مؤسسات الدولة. ولذلك فإن تحميله وحده مسؤولية تعثر المرحلة الانتقالية يتجاهل حجم التشابكات والصراعات التي أحاطت بعملية الحكم خلال تلك السنوات.

ومن أكثر القضايا إثارة للجدل في تقييم تجربة هادي مسألة سقوط صنعاء بيد جماعة الحوثي في سبتمبر 2014. غير أن القراءة الموضوعية للأحداث تشير إلى أن ما جرى لم يكن نتيجة قرار فردي أو تقصير شخص واحد، بل كان حصيلة سلسلة من الأخطاء والإخفاقات والتواطؤات التي شاركت فيها أطراف سياسية وعسكرية متعددة. فالدولة كانت تعاني انقسامات داخل مؤسساتها الأمنية

لقد شهدت تلك المرحلة انهيارات متلاحقة في بنية الدولة، ولم يكن الرئيس هادي وحده المسؤول عنها، بل كانت مسؤولية جماعية اشتركت فيها قوى سياسية وعسكرية نافذة، بعضها شارك بصورة مباشرة أو غير مباشرة في إضعاف مؤسسات الدولة أو التهاون في مواجهة التهديدات التي كانت تتقدم نحو العاصمة.

وعندما فرض الحوثيون الإقامة الجبرية على الرئيس هادي بعد سيطرتهم على صنعاء، بدا للكثيرين أن الشرعية اليمنية قد انتهت وأن الدولة دخلت مرحلة الانهيار الكامل. غير أن خروج هادي من صنعاء ووصوله إلى عدن شكّل نقطة تحول مهمة في مسار الأزمة. فقد حافظ على استمرارية الشرعية الدستورية، وأبقى فكرة الدولة قائمة في مواجهة مشروع الانقلاب، كما وفر أساساً قانونياً وسياسياً لمواجهة الجماعة الحوثية على المستويين الداخلي والخارجي.

لقد مثّل استمرار الشرعية عاملاً محورياً في حشد الدعم الإقليمي والدولي للحكومة اليمنية، وساهم في منع تكريس الانقلاب كأمر واقع نهائي. وبغض النظر عن المواقف المختلفة من أداء الرئيس هادي خلال سنوات الحرب، فإن دوره في الحفاظ على الشرعية خلال تلك المرحلة يبقى أحد الجوانب المهمة في مسيرته السياسية.

ولا يعني ذلك أن تجربة هادي كانت خالية من الأخطاء أو القصور، فكل تجربة حكم تخضع للنقد والتقييم، خصوصاً في الظروف الاستثنائية التي مرت بها اليمن. لكن الإنصاف يقتضي أن يتم هذا التقييم في إطار السياق التاريخي الذي حكم خلاله، لا من خلال اختزال الأحداث المعقدة في شخص واحد أو تحميله وحده مسؤولية ما جرى.

SHARE

Author: verified_user

0 Comments: